محمد سعيد رمضان البوطي

44

من روايع القرآن

على ذلك عامّة المؤرخين والباحثين . قال اللّه عزّ وجلّ : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ . إلّا أنه كان يعهد بكتابة ما يتنزل عليه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بأعيانهم ، كان يطلق عليهم اسم كتّاب الوحي ، وأشهرهم الخلفاء الأربعة ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، والزبير بن العوّام ، وشرحبيل بن حسنة ، وعبد اللّه بن رواحة « 1 » . وقد كانوا يكتبون القرآن فيما تيسر لهم من العظام والسعف وألواح الحجارة الرقيقة . وقد كانوا يضعون هذا الذي يكتبونه في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يكتبون منه لأنفسهم صورا أخرى يحفظونها لديهم « 2 » فعمل كتاب الوحي في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن جمعا لكتاب اللّه تعالى بين دفتين وإنما كان مجرد تسجيل كتابي له على متفرقات العظام والحجارة والأوراق وغيرها ، مع ترتيب سوره وآياته حسب ما يوحى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولقد كان في الصحابة من يتتبع آيات القرآن وترتيبها فيحفظها عن ظهر قلب ، حتى حفظوا بذلك القرآن كله ، فمن مشاهيرهم : عبد اللّه بن مسعود ، وسالم بن معقل ، ومعاذ بن جبل ، وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت . وكان سائر الصحابة يشتركون بحفظ مقادير كبيرة من القرآن ، حسب ما يكون كتب منه لنفسه أو حسب ما يتيسر له . وظل الصحابة يعكفون على حفظ القرآن غيبا حتى ارتفعت نسبة الحفّاظ منهم إلى عدد لا يحصى ، يدلك على ذلك ما يذكره الرواة من أن موقعة اليمامة التي وقعت في زمن أبي بكر رضي اللّه عنه قد قتل فيها سبعون صحابيا من حفظة القرآن ، وروى القرطبي أنهم سبعمائة ، وهي رواية ضعيفة ولا شك « 3 » ، إلا أنك تستطيع أن تفهم من ذلك نسبة الصحابة الذين يحفظون القرآن في صدورهم .

--> ( 1 ) انظر فتح الباري : 9 - 18 . ( 2 ) التحقيق أن كتّاب الوحي كانوا يضعون ما يكتبونه من القرآن في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ذلك المحاسبي في كتاب « فهم السنن » وانظر البرهان للزركشي 1 - 238 والإتقان للسيوطي 1 - 58 . ( 3 ) انظر تفسير القرطبي : 1 - 50 .